محمود درويش

(1941-2008 / الجليل / فلسطين)

حبيبتي تنهض من نومها


حبيبتي تنهض من نومها
طفولتي تأخذ، في كفّها
زينتها من كل شيء
و لا
تنمو مع الريح سوى الذاكرة
لو أحصت الغيم الذي كدسوا
على إطار الصورة الفاترة
لكان أسبوعا من الكبرياء
و كلّ عام قبله ساقط
و مستعار من إناء المساء
يوم تدحرجت على كل باب
مستسلما للعالم المشغول
أصابعي تزفر: لا تقذفوا
فتات يومي للطريق الطويل
بطاقة التشريد في قبضتي
زيتونة سوداء
و هذا الوطن
مقصلة أعبد سكّينها
إن تذبحوني، لا يقول الزمن
رأيتكم
و كالة الغوث لا
تسأل عن تاريخ موتي، و لا
تغيّر الغابة زيتونها،
لا تسقط الأشهر تشرينها
طفولتي تأخذ في كفها
زينتها من أي يوم
و لا
تنمو مع الريح سوى الذاكرة
و إنني أذكر مرآتها
في أول الأيام،حين اكتسى
جبينها البرق، لكنني
أضطهد الذكرى، لأن المسا
يضطهد القلب على بابه
أصابعي أهديتها كلها
إلى شعاع ضاع في نومها
و عندما تخرج من حلمها
حبيبتي أعرف درب النهار
أشق درب النهار
كلّ نساء اللغة الصافية
حبيبتي
حين يجيء الربيع
الورد منفيّ على صدرها
من كل حوض، حالما بالرجوع
و لم أزل في جسمها ضائعا
كنكهة الأرض التي لا تضيع
كل نساء اللغة دامية
حبيبتي
أقمارها في السماء
و الورد محروق على صدرها
بشهوة الموت، لأن المساء
عصفورة في معطف الفاتحين
و لم أزل في ذهنها غائبا
يحضرها في كل موت وحين
كل نساء اللغة النائمة
حبيبتي
تحلم أنّ النهار
على رصيف الليلة الآتية
يشرب ظل الليل و الانكسار
من شرف الجندي و الزانية
تحلم أن المارد المستعار
من نومنا، أكذوبة فانية
و أن زنزانتنا، لا جدار
لها، و أن الحلم طين و نار
كل نساء اللغة الضائعة
حبيبتي
فتشت عتها العيون
فلم أجدها.
لم أجد في الشجر
خضرتها
فتشت عنها السجون
فلم أجد إلاّ فتات القمر
فتّشت جلدي
لم أجد نبضها
و لم أجدها في هدير السكون
و لم أجدها في لغات البشر
حبيبة كل الزنابق و المفردات
لماذا تموتين قبلي
بعيدا عن الموت و الذكريات
و عن دار أهلي ؟
لماذا تموتين قبل طلاق النهار
من الليل
قبل سقوط الجدار
لماذا؟
لكل مناسبة لفظة
و لكن موتك كان مفاجأة للكلام
و كان مكافأة للمنافي
و جائزة للظلام
فمن أين اكتشف اللفظة اللائقة
بزنبقة الصاعقة؟
سأستحلف الشمس أن تترجل
لتشربني عن كثب
و تفتح أسرارها
سأستحلف الليل أن يتنصل
من الخنجر الملتهب
و يكشف أوراقه للمغني
تفاصيل تلك الدقائق
كانت
عناوين موت معاد
و أسماء تلك الشوارع
كانت
و صايا نبي يباد
و لكنني جئت من طرف السنة الماضية
على قنطرة
ألا تفتحين شبابيك يوم جديد
بعيد عن المقبرة؟
لأبطالنا، أنشد المنشدون
و كانوا حجارة
و كانوا يريدون أن يرصفوا
بلاطا لساحاتنا
وصمتا، لأن السكوت طهارة
إذا ازدحم المنشدون
و يبدو لنا حين نطرق باب الحبيب
بأن الجدار وتر
و يبدو لنا أنه لن يغيب
سوى ليلة الموت، عنّا
و لكننا ننتظر
ألا تقفزين من الأبجديه
إلينا، ألا تقفزين؟
فبعد ليالي المطر
ستشرع أمتنا في البكاء
على بطل القادسية
أسحل دقات قلبك فوق الجفون
و أعصب بالريح حلقي
إذا كثر النائمون
و من ليل كل السجون
أصيح
أعيدوا لنا بيتها
أعيدوا لنا صمتها
أعيدوا لنا موتها
عيناك، يا معبودتي، هجرة
بين ليالي المجد و الانكسار
شرّدني رمشك في لحظة
ثم عادني لاكتشاف النهار
عشرون سكّينا على رقبتي
و لم تزل حقيقتي تائهة
و جئت يا معبودتي
كلّ حلم
يسألني عن عودة الآلهه
_ترى !رأيت الشمس
في ذات يوم ؟
_رأيتها ذابلة.. تافهة
في عربات السبي كنا، و لم
تمطر علينا الشمس إلاّ النعاس
كان حبيبي طيبا، عندما
ودعني
كانت أغانينا حواس
عيناك، يا معبودتي،منفى
نفيت أحلامي و أعيادي
حين التقينا فيهما
من يشتري تاريخ أجدادي ؟
من يشتري نار الجروح التي
تصهر أصفادي؟
من يشتري الحب الذي بيننا؟
من يشتري موعدنا الآتي؟
من يشتري صوتي و مرآتي ؟
من يشتري تاريخ أجدادي
بيوم حريّة؟
_معبودتي! ماذا يقول الصدى
ماذا تقول الريح للوادي؟
_كن طيّبا
كن مشرقا طالردى
و كن جديرا بالجناح الذي
يحمل أولادي..
ما لون عينيها؟
يقول المساء:
أخضر مرتاح
على خريف غامض.. كالغناء
و الرمش مفتاح
لما يريد القلب أن يسمعه
كانت أغانينا سجالا هناك
على جدار النار و الزوبعة
_هل التقينا في جميع الفصول؟
_كنا صغيرين. و كان الذبول
سيّدنا
_هل نحن عشب الحقول
أم نحن وجهان على الأمس؟
_الشمس كانت تحتسي ظلنا
و لم نغادر قبضة الشمس
_كيف اعترفنا بالصليب الذي
يحملنا في ساحة النور؟
_لم نتكلم
نحن لم نعترف
إلا بألفاظ المسامير
عيناك، يا معبودتي ،عودة
من موتنا الضائع تحت الحصار
كأنني ألقاك هذا المساء
للمرة الأولى
و ما بيننا
إلا بدايات، و نهر الدماء
كأنه لم يغسل الجيلا
أسطورتي تسقط من قبضتي
حجارة تخدش وجه الموت
و الزنبق اليابس في جبهتي
يعرف جو البيت
_من يرقص الليلة في المهرجان
_أطفالنا الآتون
_من يذكر النسيان؟
_أطفالنا آتون
_من يضفر الأحزان
إكليل ورد في جبين الزمان ؟
_أطفالنا الآتون
_من يضع السكر في الألوان؟
_أطفالنا الآتون
_و نحن يا معبودتي
أي دور
نأخذه في فرحة المهرجان ؟
_نموت مسرورين
في ضوء موسيقي
أطفالنا الآتين

Submitted: Friday, September 27, 2013
Edited: Friday, September 27, 2013

Do you like this poem?
0 person liked.
0 person did not like.

Read this poem in other languages

This poem has not been translated into any other language yet.

I would like to translate this poem »

word flags

What do you think this poem is about?

Comments about this poem (حبيبتي تنهض من نومها by محمود درويش )

Enter the verification code :

There is no comment submitted by members..

Top Poems

  1. Phenomenal Woman
    Maya Angelou
  2. The Road Not Taken
    Robert Frost
  3. If You Forget Me
    Pablo Neruda
  4. Still I Rise
    Maya Angelou
  5. Dreams
    Langston Hughes
  6. Annabel Lee
    Edgar Allan Poe
  7. If
    Rudyard Kipling
  8. I Know Why The Caged Bird Sings
    Maya Angelou
  9. Stopping by Woods on a Snowy Evening
    Robert Frost
  10. Invictus
    William Ernest Henley

PoemHunter.com Updates

New Poems

  1. News Of Tragedies, Lawrence S. Pertillar
  2. Natural Life's Aura, RoseAnn V. Shawiak
  3. Soul's Keys, RoseAnn V. Shawiak
  4. Love Confessed, Sandra Feldman
  5. LONELY, Egbe Chris
  6. The Cemetery, John Dadzie
  7. People Confusion Is, Is It Poetry
  8. God has been biting his nails again, Mandolyn ...
  9. LONELY EBOLA, Egbe Chris
  10. ABROAD في الخارج, MOHAMMAD SKATI

Poem of the Day

poet Percy Bysshe Shelley

We are as clouds that veil the midnight moon;
How restlessly they speed, and gleam, and quiver,
Streaking the darkness radiantly!--yet soon
...... Read complete »

 

Modern Poem

poet Jessie Mackay

 
[Hata Bildir]